سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده
58
رسائل في الفلسفة والعرفان
واردةكأنّك تدرك أنّ الكمال هو الوجود ، وأنّ النقص هو العدم ، فإنّك تعلم أنّ كلّ شيء لو بلغ غايته فيما يلزم لذاته - في جميع أحواله من حيث ذاته - فهو الكامل ، وكلّما لم يكن كذلك فهو الناقص ؛ على قدر درجته في عدم بلوغ غايته ، فإن ترتّب على شيء نقص في آخر ، فالشيء كامل ، والآخر ناقص ، وقيل للشيء : ناقص [ 1 ] ، لا لأنه ناقص في ذاته ، ولكن من حيث لزم عليه ما هو نقص ، وهو العدم ، وذلك سهل عليك تحصيله ، فإن أوردنا المثال يطول المقال ، والمقام ضيّق . إذا تحصّل عندك هذا فقد عرفت : أنّ كمال الشيء بقدر ماله من جهات الوجود ، ونقصه بقدر ماله من جهات العدم ، فهلّا تحقّقت من هذا : أنّ ما هو وجود الكلّ - الذي لا وجود إلّامن وجوده ، بل لا وجود إلّا وجوده ، وكلّ ما سواه عدم - هو الكمال لذاته ؛ حيث لا عدم له في شيء من جهاته ، وأنّ كلّ كمال فهو بروز كماله ، وكل نقص فهو عدم ، والعدم غيره ، فهو الكمال ، وغيره النقصان ( تَبارَكَ اسْمُ رَبّكَ ذِي الْجلالِ وَالإكْرام ) ( سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون ) [ 2 ] . ولعلّك تميل إلى التنزّل عن هذا المقال ، فنقول : وصف شيء بشيء يقتضي أن يكون ذلك الشيء منشأ لذلك الوصف أو في ذاته ما هو كذلك ؛ وذلك لأنّ جميع
--> [ 1 ] في بعض النسخ : « نقص » . [ 2 ] الصافّات : 180 .